أحمد بن يحيى العمري
41
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
قال ابن خبيق : ورث داود الطائي عشرين دينارا ، فأكلها في عشرين سنة . « 1 » وقال - رضي الله عنه - : " صاحب أهل التقوى فإنهم أقلّ مؤونة ، وأكثر معونة " . وقيل له يوما : لو تنحّيت عن الشمس إلى الظل ؟ . فقال : هذه خطى لا أدري كيف تكتب ؟ . « 2 » توفي داود الطائي - رضي الله عنه - سنة ستين ومائة . « 3 »
--> ( 1 ) حلية الأولياء 7 / 347 . ( 2 ) وقيل : إنه صام أربعين سنة ما علم به أحد من أهله ، فكان يحمل غداءه معه ، ويتصدّق به في الطريق ، ويرجع إلى أهله يفطر عشاء ، ولا يعلمون أنه صائم ! . وقال له رجل : ألا تسرّح لحيتك ؟ . قال : إني عنها مشغول . قال أبو الربيع الأعرج : دخلت على داود الطائي بيته بعد المغرب ، فقرّب لي كسيرات يابسة ، فعطشت ، فقمت إلى دنّ فيه ماء حار ، فقلت : رحمك الله ! لو اتّخذت دنّا غير هذا يكون فيه الماء باردا ؟ . فقال لي : إذا كنت لا أشرب إلا باردا ، ولا آكل إلا طيبا ، ولا ألبس إلا ليّنا ، فما أبقيت لآخرتي ؟ . ( 3 ) ولما مات جاء ابن السمّاك ووقف على قبره ثم قال : أيها الناس ! إن أهل الزهد في الدنيا تعجّلوا الراحة على أبدانهم ، مع يسير الحساب غدا عليهم ، وإن أهل الرغبة فيها تعجّلوا التعب على أبدانهم مع ثقل الحساب غدا عليهم ، والزهادة راحة لصاحبها في الدنيا والآخرة ، والرغبة تعب لصاحبها في الدنيا والآخرة . رحمك الله أبا سليمان ! ما كان أعجب شأنك ! ألزمت نفسك الصبر حتى قوّمتها ، أجعتها وإنما تريد شبعها ، وأظمأتها وإنما تريد ريّها ، أخشنت المطعم وإنما تريد طيبه ، أخشنت الملبس وإنما تريد لينه . أبا سليمان ! أما كنت تشتهي من الطعام طيبه ؟ ، ومن الماء بارده ؟ ، ومن اللباس لينه ؟ ، بلى ، ولكن أخّرت ذلك لما بين يديك ، فما أراك إلا قد ظفرت بما طلبت ، وما إليه رغبت ، فما أيسر ما ضيّعت ، وأحقر ما فعلت في جنب ما أمّلت ، فمن سعى مثلك عزم عزمك وصبر صبرك ، آنس ما يكون إذا كنت بالله خاليا ، وأوحش ما يكون آنس ما يكون الناس . سمعت الحديث ، وتركت الناس يحدثون ، وتفهّمت في دين الله ، وتركتهم يفتون ، لا تقبل من السلطان عطيّة ، ولا من الإخوان هديّة ، سجنت نفسك في بيتك فلا محدّث لك ، ولا ستر على بابك ، فلو رأيت جنازتك وكثرة تابعك علمت أنه قد شرفك وأكرمك وألبسك رداء عملك ، فلو لم يرغب عبد في الزهد في الدنيا إلا لمحبة هذا الستر الجميل والتابع الكثير لكان حقيقا بالاجتهاد ، فسبحان من لا يضيع مطيعا ، ولا ينسى لأحد صنيعا . ولما فرغ قام أبو بكر النهشلي فقال : يا رب ! إن الناس قد قالوا ما عندهم مبلغ ما علموا ، اللهم فاغفر له برحمتك ، ولا تكله إلى عمله . وفرغ من دفنه وقام الناس .